هل من الممكن أن يسرق حلمك .. “روبوت” ؟

مدونة معهد راية العالي

 

دخلت كلمة روبوت اللغة الإنجليزية عام 1921 عبر عرض مسرحي يطلق عليه(R.U.R)  Rossum’s Universal Robots  للكاتب المسرحي التشيكي كارل كابيك Karel Capek، وتكهنت المجلات والصحف حينها بأن الروبوتات سيكون لها دور في سرقة وظائف العمال وتشريدهم، وقد يمتد ذلك لشن الحروب وارتكاب الجرائم، وتبع ذلك ظهور سلاسل من القصص والأعمال الفنية التي تدور حول الروبوت ومنها كانت مجموعة قصص الخيال العلمي أنا روبوت  التي بدأت عام 1941 وهي مجموعة قصص خيال علمي من تأليف إسحاق أسيموف Isaac Asimov, والتي كان لها السبق في تأسيس فكر أخلاقيات الروبوت والذكاء الاصطناعي المتبنى إلى الآن, حيث وضع إسحاق عبرها القوانين الثلاثة الشهيرة لبرمجة الروبوتات, والتي تتبعها الشركات المصنعة للربوتات إلى الآن من قبيل إجراءات السلامة, وهذه القوانين هي:

 

 

  • لا يجوز السماح بأن يصيب الروبوت البشر بضرر.
  • يجب أن يلتزم الروبوت بالأوامر التي أصدرها له الإنسان، إلا في الحالات التي تتعارض مع القانون الأول.
  • يجب أن يحمي الروبوت وجوده, طالما أن هذه الحماية لا تتعارض مع القانون الأول أو الثاني.

 

الشاهد في ما سبق أن الأمر بدأ بخيال كاتب ثم تجسد وكأنه حلم وقد تحقق, كما أنه بالرغم من مرور زمن طويل على الكتابات الأدبية السابق عرضها, إلا أن القوانين الثلاثة لأسيموف مازالت مسار جدل استمر لعقود حول الصراع بين الروبوت والإنسان وتطور هذه الآلات وأحقية حمايتها ووجودها وعلاقة ذلك بالمنافع والضرر الذي قد يصيب البشر ومدى تمكن الإنسان من التحكم في ذلك؛ حيث قد يرى البعض أن الروبوت قد يكون سارق يسلب من شباب كثيرين أحلامهم المتعلقة بمستقبلهم الوظيفي وآخرين يرون أنه الملاك الذي قد ينقلهم إلى أحلامهم بصورة أسرع من المتوقع.

 

ولعل السبب الرئيسي لاستمرار هذا الانقسام في الآراء يرجع إلى توسع دخول الربوت في وظائف ومجالات عديدة, فبفضل الذكاء الاصطناعي, تم استخدام الروبوتات في الوظائف المعرفية وليس الوظائف الروتينية فقط أو التي تحتاج إلى مجهود بدني, كاستخدامها على مستوى الوظائف الطبية عن بعد Telemedicine في إجراء العمليات الجراحية وقد أشارت مؤسسة ماكنزي McKinsey للأبحاث في هذا الشأن عبر التقرير الخاص بها في 2019  أن تطوير الاتصالات وظهور الجيل الخامس سيعزز هذه الجراحة الروبوتية robotic surgery وسيزيد من انتشار تطبيقات الربوت في المجالات الطبية, كما أنه على مستوى الوظائف الإدارية قد تم تبني الروبوتات في مجالات معرفية أيضا كاستخدامها في خدمات العملاء من خلال التحدث والتفاعل الصوتي مع العملاء, أو في إجراء المقابلات الشخصية للعمل والتي كان يصعب في السابق الاعتماد على آلة كالروبوت للقيام بها؛ حيث قامت شركة فورهات روبوتيكس Furhat Robotics و تي إن جي TNG ببناء أول روبوت يقوم بالمقابلات الشخصية والاستقطاب الوظيفي غير المتحيز في العالم في أواخر 2018.

 

هذا ولم يقف تطور الروبوت عند محاكاة النواحي المعرفية للإنسان فقط بل اتجه التطور لمحاكاة عواطف البشر حيث امتدت تكنولوجيات الروبوت لتشمل صناعة أنواع من الروبوت العاطفية emotional التي تشتمل على حواس كحواس الإنسان حيث تم بالفعل صناعة الروبوتات التي تضمن أنظمتها استخدام المشاعر كانفعالات الوجه والإيماءات والحركة ونبرة الصوت, ولم يقف التطور والابتكار في مجال الروبوتات العاطفية إلى هذا الحد بل امتد التطور ليشمل حاسة اللمس حيث طور باحثون بجامعة كورنيل بالولايات المتحدة نموذج لروبوت يمكنه التعبير عن المشاعر من خلال ملامسة سطحه الخارجي.

 

ويرى الفريق المتفائل أن كل ما سبق فرص ستساهم في تحسين النظام الاقتصادي والصحي ونوعية وأسلوب الحياة التي يعيشها البشر, وتوفير المزيد من الوقت للأنشطة الأخرى التي يمكن أن يقدم من خلالها الإنسان قيمة أعلى.

 

بينما على الجانب الآخر, لازال لا يمكن إيقاف الأصوات المجتمعية الرافضة لهذه التقنيات والتي تشعر بتعارضها مع أحلامهم المتعلقة بمسارهم الوظيفي, الأمر الذي يتطلب التعرف على أسباب الرفض المجتمعي والسبيل لإيجاد القبول والحلول المتعلقة بإدماجها بشكل سليم في المجتمعات, حيث أن هذه التقنيات لم يعد من المنطق إيقاف تطورها.

 

وهذا دفع باحثان من جامعة تامبيري الفنلندية إلى إجراء دراسة موسعة تمت على 27 دولة أوربية ونشرت في المجلة الدولية للروبوتات الاجتماعية International Journal of Social Robotics في عام 2019, ليتضح أن قبول تطبيق واستخدام الروبوت على مستوى الحكومات يزداد في البلدان الأكثر تقدما في مجال تكنولوجيات الاتصالات بينما تزداد المخاوف من مخاطر تطبيقه في بيئة العمل في البلاد الأقل انفتاحًا على التجديد والتطوير في مجال التكنولوجيا, كما بينت الدراسة أنه على مستوى الفرد فإن الأشخاص الذين يستخدمون الإنترنت بصورة يومية ويطورون من مهارتهم التكنولوجية بشكل عالي لديهم شعور أفضل تجاه قبول الروبوت في العمل.

 

وبناءا على هذه الدراسة السابقة  فإنه لا يمكن الاكتفاء بتنمية التوجه الحكومي نحو التصنيع واستخدام التكنولوجيا المتقدمة لإيجاد قبول مجتمعي وإدماج الروبوتات بشكل سليم في المجتمعات, حيث لابد من توافر البشر الحريصين على اكتساب مهارات التعامل مع الروبوتات والتأهيل تعليميا وثقافيا لمجابهة تلاشى دورهم الوظيفي في عصر الذكاء الاصطناعى.

 

وهذا ما دفع الولايات المتحدة الأمريكية نحو العمل على تنمية وتطوير المهارات التكنولوجية للعمالة وإعدادها لما يسمى بالوظائف الهجينة Hybrid Jobs والتي تتطلبها العديد من الأعمال التي يزيد بها الإعتماد على وسائل تكنولوجية ومنها الروبوتات, وهذه الوظائف الهجينة يمكن وصفها بأنها الوظائف التي تحتاج لمهارات هجينة من مزيج من المهارات الفنية وغير الفنية؛ وتختلف هذه المهارات المهجنة تبعا للوظيفة والشركة (على سبيل المثال: يبحث عدد قليل جدًا من أصحاب العمل الآن عن موظفي الدعم الإداري الذين يمكنهم ببساطة استقبال الزائرين والرد على الهواتف وتنظيم الملفات, بينما يحتاج أغلب أصحاب العمل إلى موظفين إداريين لديهم مجموعة من المهارات الهجينة أو المختلطة التي تشمل التعامل مع وسائل التكنولوجيا).

 

ولابد من الإشارة إلى أن تقديم الحلول لإدماج الآلات في المجتمعات بشكل يلاقي ترحيب وقبول, لا يمكن أن ينجح بتنمية وتطوير الأفراد والاعتماد المباشر على الكيانات الحكومية فقط, فيحتاج إدماج هذه الآلات أيضا إلى التشجيع المستمر للمبادرات الاستثمارية لرواد الأعمال المبتكرين والذين قد يساهمون بأفكارهم الإبداعية.

 

ومن أمثلة هذه المبادرات ما قام به عدد من المستثمرين من انتهاج ما يسمى بواجهة الدماغ الحاسوبية brain–computer interface (BCI) كطريقة للتواصل المباشر بين الدماغ البشري والأجهزة الخارجية. فبالفعل أطلق ايلون ماسك Elon Musk المدير التنفيذي لشركتي سبيس اكس SpaceX وتيسلا Tesla شركة أبحاث طبية تسمى نيورالينك Neuralink  تهدف لإنشاء واجهة دماغ آلية brain-machine interfaces من شأنها أن تسمح في نهاية المطاف، بالتواصل لاسلكيا مع العالم، وتبادل الأفكار دون الحاجة إلى استخدام اللغة المنطوقة أو المكتوبة، والتي تمكن الدماغ أيضا من التعلم بشكل أسرع. وتتدرج خطة ماسك في البداية بإنشاء واجهة دماغ حاسوبية لاستخدامها في مساعدة الأشخاص المصابين بأمراض الدماغ، مثل علاج إصابات (السكتة الدماغية، السرطان، التشوهات الخلقية)، ثم يلي ذلك تطوير العلوم العصبية لمعالجة هذه الأمراض ومساعدة البشر، ليتم التوصل إلى ما يطمح إليه بنهاية المطاف في المستقبل وهي الطريقة لاندماج الدماغ البشري مع البرمجيات والروبتات للتمكن من مواكبة التطورات التي يحققها الذكاء الاصطناعي.

 

ومن الجدير بالذكر أنه لم يسلك ماسك وحده هذا النهج فقد نهج هذا المسلك أيضا شركة فيسبوك التي تعمل على بناء آلة روبوتية لقراءة الأفكار ليس من خلال الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر ولكن من خلال الأدمغة البشرية, كما قام الأمريكي بريان جونسون bryan johnson أيضا باستثمار 100 مليون دولار في Kernel وهي شركة متخصصة في علم الأعصاب تركز على تطوير تكنولوجيا العقل لتحسين وتوسيع الإدراك البشري بشكل جذري. فضلا عن شركة  Emotiv التي تعمل منذ فترة في هذا الاتجاه ومتخصصة في المعلوماتية الحيوية والتكنولوجية وتطوير وتصنيع أجهزة يمكن ارتداؤها بالدماغ للتعامل مع الأوامر العقلية.

وبذلك فالبشر منذ عهد أسيموف Asimov وهم من يصنعون دائما الأفكار التي تمثل السياج الواقي من تحويل الآلات إلى لصوص آلية تجتاح أرض أحلامهم الوظيفية .. فأحرص دائما على أن تزيد من ارتفاع السياج المحيط بك من خلال تطوير معلوماتك ومهاراتك مع محاولة تحقيق أقصى استفادة من كل الإمكانات التكنولوجية المتاحة.

 

مقدم من

شادي محمد عبد العزيز

مدرس مساعد إدارة الأعمال

بمعهد راية العالي للإدارة والتجارة الخارجية

 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

انتقل إلى أعلى