دور عمليات غسيل الأموال في تمويل الإرهاب

مدونة معهد راية العالي

على امتداد الألفية المنصرمة تطورات متلاحقة ومواقف تاريخية أحدثت آثارًا عميقة وتغيرات جذرية في مسارات حياة البشر بمختلف مناحيها ، وأفضت إلى بزوغ عصر العولمة الذي جعل من العالم بأسره قرية كونية صغيرة بفعل ثورة الإتصالات والتطور المذهل في تقنية المعلومات ، وهو  ما استتبع تنامياً هائلاً مطرداً في حركة الأموال وحرية تحويلها عبر الحدود الوطنية منخل النظم مالية عالمية واسعة الإنتشار سريعة الحركة بالغة التعقيد.

وفي ظل هذا المناخ العالمي الجديد ، استغلت الجماعات الإجرامية المنظمة ما أتاحه العصر الجديد من إمكانات ، وما وفره من وسائل وأساليب لإستحداث أنماط من الإجرام الدولي المنظم ، وأبرز صوره ( تجارة المخدرات وتهريبها – ونشر شبكات الدعارة الدولية ) ، التي اتسع نطاقها نتيجة ما شهده العالم مؤخراً من تطورات سياسية ، واستغلال ظاهرة البطالة التي تعاني منها الدول الفقيرة ، في نقل وتهريب الراغبين في الهجرة غير الشرعية عبر الحدود إلى الدول ذات القدرة الإقتصادية.

وقد واكب ظهور أنماط الإجرام الدولي المنظم ، واكب ذلك اهتمام الجماعات الإجرامية بابتكار الوسائل المحققة لإضفاء الشرعية الظاهرية على مصدر الأموال المتحصلة من الجرائم المرتكبة بإخفاء المصدر الحقيقي غير المشروع لها ، وتتمثل هذه الوسائل في الأغلب الأعم في عمليات الإيداع والنقل السريع للأموال فيما بين الحسابات المصرفية المختلفة في الداخل أو عبر الحدود الوطنية ، أو دمج تلك الأموال في أصول ثابتة أو منقولة سواء بالبيع أو الشراء ، أو الدخول بها في مجالات الإستثمار المختلفة ، واستطاعت هذه الجماعات وغيرها النفاذ إلى ميادين مختلفة تم استغلالها لتحقيق مآربها وأبرزها المؤسسات المصرفية وأسواق رأس المال والجهات العاملة في مجال التأمين وصناديق توفير البريد وصالات ألعاب القمار وتجارة الذهب والوسائل الهادفة على إضفاء الشرعية على الأموال المتحصلة من صور السلوك الإجرامي وهي الأنشطة التي يطلق عليها “غسيل الأموال” أو “تبييض الأموال“.

تعبير غسل الأموال يرجع في أصله إلى المافيا الأمريكية حيث استخدمت هذا التعبير. وتوجد مسميات أخرى متشابهة مثل تبييض الأموال أو تنظيفها أو تطهيرها وهي تعبيرات تؤدي إلى معنى واحد .

ويقصد بها”  مجموعة العمليات ذات الطبيعة الإقتصادية التي تتبع لتغيير صفة أموال تم الحصول عليها بطريقة غير مشروعة لتظهر كما لو كانت نشأت أصلاً عن مصدر مشروع، فالجاني في جرائم غسيل الأموال يهدف إلى إدخال الأموال غير المشروعة في مصادرها في إطار حركة التداول المشروع لرأس المال مع ما يترتب على ذلك من اندماج بعضها مع بعض ، وبالتالي يصعب اقتفاء أثرها أو معرفة مصدرها”.

فجوهر عملية غسل الأموال هو قطع الصلة بين الأموال المتحصلة عن أنشطة إجرامية وبين مصدرها غير المشروع ، فهي تهدف بذلك إلى إضفاء الشرعية على أموال هي في حقيقتها ناتجة عن مصدر غير مشروع ، ويترتب على نجاح هذه العملية سهولة تحرك هذه الأموال غير المشروعة في المجتمع دون الخشية من مصادرتها وبالتالي يفلت الجناة من العقاب.

أوجه الشبه والإختلاف بين غسل الأموال وتمويل الإرهاب:-

  1. وبالذات فيما يخص نواحي الخداع والإخفاء فإن من يقومون بغسل الأموال يرسلون أموال غير مشروع من خلال قنوات شرعية بهدف إخفاء المصدر الإجرامي لهذه الأموال أما في حالة تمويل الإرهاب فإن الأموال التي يتم استخدمها قد يكون مصدرها مشروع أو غير مشروع إلا أن الهدف من استخدامها هو القيام بالتأكيد بعمليات غير مشروعة وهي دعم الإرهاب.
  2. كما أن هناك اختلاف في الهدف بين من يقوموا بغسل الأموال وتمويل الإرهاب ، فبالنسبة لغاسلي الأموال فالهدف هو إخفاء المصدر الإجرامي لأموالهم أما بالنسبة لممولي الإرهاب فالهدف هو أيضاً إخفاء مصادر أموالهم حتى ولو كانت مشروعة بالإضافة إلى إخفاء الدعم المالي الذي يقدمونه للإرهاب ، وقد أدرك الإرهابيون أن أفضل الطرق لتحقيق أهدافهم هو الإرتباط بالمنظمات التي تغسل الأموال.
  3. إن كل من عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب يدعمان الجرائم والفساد ، ومن الواضح أن الإرهاب ملازم لنا من قرون لكن بظهور تكنولوجيا جديدة وانتشار العولمة فقد ظهر في جيلنا والأجيال القادمة بعداً جديداً للإرهاب ، حيث زاد النشاط الإرهابي في التسعينيات أبرزها هجمات الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001م ، ومن ثم نحن نتحدث عن الإرهاب الدولي الجديد الذي يحدث الآن مع وجود إرهابيين متطورين مما يجعله أكثر خطورة وهو تحدي لحماية المجتمعات الديمقراطية من النوع الحالي من الإرهاب جزئياً ؛ لأنه من الصعب فهم هذا النوع من النشاط بالإضافة إلى تغيير أهدافه ونطاق عمله بشكل مستمر ، وكان غاسلو الأموال هم أول من اتهموا بالدعم والإستثمار في الأنشطة الإرهابية ، ومن هنا ندرك العلاقة بين تمويل الإرهاب وغسل الأموال.

أسباب تجعل تمويل الإرهاب أصعب في الاكتشاف من غسل الأموال , ويرجع ذلك إلى:-

  1. الهدف الأساسي من تمويل الإرهاب ليس هو هدف مالي مثل الحال في غسل الأموال ، إنما قد تكون هناك أهداف سياسية أو قومية أو دينية أو إعلامية.
  2. المبالغ المستخدمة في تمويل الإرهاب أقل بكثير من المبالغ المستخدمة في غسل الأموال.
  3. مصدر الأموال قد يكون مشروع ومثالاً على ذلك التبرعات لجمعيات خيرية ولا يعلم المتبرعين أنها تستخدم في عمليات تمويل الإرهاب.
  4. استخدام تمويل الإرهاب للمؤسسات المالية أقل بكثير من استخدامها من جانب غاسلي الأموال.
  5. التركيز في غسل الأموال هو مصدر الأموال في حين أن التركيز في تمويل الإرهاب هو استخدام الأموال ، وهنا يظهر اختلاف بين أساليب تمويل الإرهاب في الدول الغربية عنه في دول آسيا والشرق الأوسط ، ففي الدول الغربية تستخدم أكثر المؤسسات المالية في عملية تمويل الإرهاب ، أما في الدول التي تتمتع بإمكانيات مالية أقل مثل ” أفغانستانفإن الاعتماد يكون على وسائل غير رسمية.
  6. التداخل الشديد بين غسل الأموال وتمويل الإرهاب ، حيث أنه بخلاف منظمة القاعدة والتي كان يتم تمويلها من خلال أسامة بن لادن ، فإنه هناك منظمات إرهابية أخرى متورطة في عمليات إجرامية مثل جماعة أبو سياف (الاختطاف بهدف الحصول على دية).
  7. طرق مكافحة كل من غسل الأموال وتمويل الإرهاب هي طرق واحدة مثل:-
  • سياسة قبول فتح الحساب Customer Acceptance Police.
  • اعرف عميلك (KYC) Know Your Customer.
  • التحقق من شخصية العميل (CIPs) Customer Identification Programs.
  • سياسة متابعة أنشطة العميل Customer A/C Monitoring.
  1. ثقافة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (خلق مراكز بحثية – إعداد مواقع على الإنترنت – تبادل الخبرات والمعلومات – مجموعة من الأدوات والتقنيات التي تساعد على مكافحة تمويل الإرهاب والمعونة الفنية والإلتزام ورفع التقارير حيث يمكن تتبع الحركات المالية من خلال تلك التقنيات).

                                                               طارق السيد البراشي

                                                                مدرس مساعد الأقتصاد

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

انتقل إلى أعلى